بعدما قطعته الجدران و الحواجز وشوهته البنية التحتية، واصبح
حديقة خلفية نرمي فيها مخلفاتنا؟
بدأ المشروع كسلسلة من المشيات في وادي بيت حنينا، وكانت هذه المشيات فسحتنا للهروب من القيود المفروضة على الحركة أثناء جائحة فيروس كورونا في عامي 2020 و 2021. خلال العامين الماضيين ، شهدنا تسارع في مشاريع البنية التحتية والإسكان على نطاق واسع في حي بيت حنينا الجديدة في القدس، مما أدى إلى توسيع المنطقة المبنية باتجاه الوادي (وادي بيت حنينا). الكتل السكنية الجديدة في بيت حنينا، مباني المستوطنات على قمم التلال، شارع بيجين الاستيطاني والطريق الذي يتم شقه في سفح التل المجاور، كلها مشاريع تحتل الدونمات القليلة المتبقية من الأراضي غير المبنية في الوادي. دفعتنا هذه التحولات السريعة في محيطنا المباشر إلى التساؤل وإعادة التفكير والتصرف اتجاه هذه المشاهد سريعة الزوال والتحول الحاصلة في هوامش المدينة، وذلك من خلال تسخير الأدوات الفنية. كممارسة بحثية ، نسير ونقوم بتدوين مذكراتنا لتوثيق ملاحظاتنا ومحادثاتنا واللقاءات الاجتماعية في الوادي. من خلال وضع سياق لمذكراتنا بمواد مستعارة من الأدبيات والوثائق والمحادثات مع المجتمع المحلي ، نهدف إلى إنشاء خريطة مضادة ودليل نقدي للوادي. هدفنا هو استعادة الوادي كمكان يعج بالذكريات والتجارب بعد سنوات من الإهمال والتهميش.
من شباك غرفتي راقبت منيح عملية حفر الجبل وبناء الأساسات. كمية الطمم اللي طلعت كانت هائلة. الجرافات اللي بتحمل الطمم لخارج الحي كانت تماماً مثل دبابة تعمل هزة أرضية في البيت وتصحينا كل يوم ع الساعة ٦ الصبح لمدة سنتين.
قبل سنة بالضبط، بشهر واحد ٢٠٢١، انا وعبدو وسيرين نزلنا لأول مرة مع بعض على الوادي. صفينا السيارة على الطريق الالتفافي الجديد خلف شعفاط وبلشنا ننزل من سفح التل المقابل لبيتي. النزلة كانت حادة والطريق وعرة.
مواقع بناء في كل اتجاه، الجامع، بيوت الحارة المكتظة، مخلفات البناء، كلها كانت معالم مكشوفة قدامنا واحنا عم نمشي. صوت الجرافات عم يصدح بالفضاء. من جهة الغرب مستوطنات بتحتل الأفق.
وصلنا لسور بيتي من الجهة الخلفية: "واحنا صغار ولاد الحارة عملوا ملعب فطبول، نظفوا الحجار من الأرض ورسموا فيها حدود الملعب. كل ولاد الحارة كانوا ييجوا يلعبوا هون"، حكيت لعبدو وسيرين.
بتذكر منيح لما الجار جاب جرافة وجرف الملعب عشان يمنع الأولاد يلعبوا بسبب الإزعاج. كانت لحظة مؤلمة لكل أطفال الحي. اليوم في نباتات برية غطت الموقع لكن آثار الحفر لسا موجودة والمشي على الأرض صعب بسبب الطمم.
"خطوة بحياة مدينة خطوة بحياة قرية"، علقت سيرين على هالمشهد.
ضلينا نمشي على نفس الطريق لحد ما وصلنا لطريق مسدود والوادي صار مكشوف قدامنا. على شمالنا بآخر الطريق كان في حديقة مسيجة.
"تعالوا نتمرجح شوي" حكيت لعبدو وسيرين.
عبدو: "بنفع نيجي نلعب عادي؟".
سؤال عبدو كان كافي يشرح غرابة هاي الحديقة وموقعها. قبل كم سنة بلدية الاحتلال قررت تعمل حديقة عامة بهذا الموقع. عملياً، بس الناس اللي ساكنة بنفس الشارع بتعرف عن هاي الحديقة. هاي الحديقة هي فعلياً المساحة العامة الوحيدة من بين حديقتين في حي بيت حنينا، حي اللي عدد سكانه اليوم بزيد عن ٣٥ ألف نسمة.
على طرف الشارع كان في شابين صافين سيارتهم وقاعدين على كراسي بلاستيك عم بأرجلوا ويتفرجوا على الوادي. وقفنا جنبهم نتفرج كمان. الشمس كانت حلوة والسما صافية. قررنا ننزل الوادي من هناك. كان صعب نلاقي طريق ننزل منها، لأنه السفح كان عالي بسبب نفايات البناء، مشهد متكرر في أطراف المدينة.
في الطريق كان في عظام حيوانات، ملابس، عربة تسوق، وعجال سيارات مرمية في كل مكان. لقينا كيس مواد بناء، فضيناه من الأغراض اللي فيه واستعملناه لنحمل البقايا اللي منلاقيهم. ما عرفنا لشو ولكن حدسنا كان عم بحكيلنا ناخذهم معانا.
لقينا صخرة كبيرة مسطحة، أخذنا عليها استراحة قصيرة. قعدنا ناكل كلمنتينا ونحلل التضاريس أمامنا، شو طمم وشو صخر طبيعي، شو مزروع وشو بري. المشهد كان سريالي. جرافات عم تحفر الجبل بالمستوطنة وغزلان على سفح التل المقابل عم بتنط من صخرة لصخرة.
بلشنا نسمع صوت أجراس من بعيد، عرفنا انه الراعي بالمنطقة. لقيناه عم برعى بأوطى نقطة بالوادي. على جنبه كان في طريق مرصوفة حجار فهمنا بعدين، حسب حكي الراعي، انه البلدية بنته عشان تعمل مسلك اصطناعي للمي بالوادي، وبراميل مي مرمية وين مكان.
نزلنا باتجاهه ووقفنا نحكي معاه. حبينا نسأله عن رأيه بمشاريع البناء الجديدة، شو أهمية المواشي وكيف بعتاش منها. أبو محمد كان كريم معنا بالحديث. حكالنا عن مسار مية المطر بالوادي، عن بلده الأصل لفتا، عن مخطط توسيع مستوطنة رامات شلومو، الشوارع الجديدة اللي عم تنحفر وانحسار الأراضي وعن تحديات تربية الأغنام.
سألناه عن النباتات البرية اللي بتطلع بالوادي. حكالنا عن ورق اللسان، الخبيزة، الحويرنة، السعيسعة، والبريدة وقلنا نرجع بشهر ٤ عشان نلقط عكوب.حكالنا عن حيوانات الوادي وعن كيف الحصيني قتل كل الجاجات اللي عنده وصفهم جنب بعض بخط واحد.
لما سألناه عن الغزلان شرحلنا إنه وجودهم مرهون بسيطرة دائرة الطبيعة الاسرائيلية على الوادي، تحت مسمى "محمية طبيعية": "بمستوطنة رامات شلومو في كاميرة بتكشف كل تحرك بصير بالوادي" حكالنا أبو محمد.
كملنا نمشي لحد ما مستوطنة راموت صارت قدامنا.حسينا انه الطريق مسدود والكيس صار ثقيل. الشمس غابت واستبدلت بأضواء المستوطنة اللي احتلت خط الأفق من الغرب.
قررنا نرجع أدراجنا ولكن أخذنا طريق غير اللي جينا منها، طريق ترابية بيستعملوها التراكتورونات. على جنب الطريق لقينا جمجمة وعمود فقري لحصان أو حمار. حطينا الجمجمة بالكيس وكملنا نطلع الجبل. الطريق كانت طويلة ووعرة وصرنا نجرّ بالكيس جرّ على الأرض.
حسينا انه عبء الكيس أشبه بعبء الذكرايات. ثنيناتهم برمزوا لاشي عم بموت، إن كان جواتنا أو على الأرض.
قررنا أنا وعبدو نلتقي في الوادي مساء يوم الأربعاء. اتفقنا إنه ياخذ المقاطعة من شعفاط للوادي بدل ما ييجي عند بيتي أول، وأنه نلتقي في مكان ما في الوسط. لما وصلت لنقطة اللقاء (حسب فهمي)، اتصلت على عبدو:
أريج: "وينك؟"
عبدو: [معصب] "أنا هون بستناك."
أريج: "وين هون؟ أنا تحت في الوادي. مش شايفتك."
عبدو: "أنا هون جنب الطريق الجديد"
من شباك غرفتي راقبت منيح عملية حفر الجبل وبناء الأساسات. كمية الطمم اللي طلعت كانت هائلة. الجرافات اللي بتحمل الطمم لخارج الحي كانت تماماً مثل دبابة تعمل هزة أرضية في البيت وتصحينا كل يوم ع الساعة ٦ الصبح لمدة سنتين.
قبل سنة بالضبط، بشهر واحد ٢٠٢١، انا وعبدو وسيرين نزلنا لأول مرة مع بعض على الوادي. صفينا السيارة على الطريق الالتفافي الجديد خلف شعفاط وبلشنا ننزل من سفح التل المقابل لبيتي. النزلة كانت حادة والطريق وعرة.
بعد ما فشيت غلي لفيت ورجعت على البيت. في طريق الرجعة، لقيت حالي عم باخذ الطريق البديل للوادي من جنب حديقة البلدية في آخر الحي. دايماً تساءلت ليش اختاروا هذا الموقع للملعب. أي حدا بشوفه مش ممكن يتخيل انه في اشي عم بصير ورا أسواره. مثل كأنه هو حاجز بين الحي والوادي.
وأنا عم بنزل منحدر الزبالة الصغير، لمحت الراعي أبو سعيد. كان لابس طاقية بيضة. أول مرة بشوفه لابسها يمكن عشان أول مرة بنزل الوادي بالصيف. انبسطت كثير اني شفته بعد هاليوم الصعب والمناوشة مع عبدو. لاقيته قاعد على صخرة مع عصاته وغنماته عاملات حلقة حواليه.
أريج: "أبو سعيد! كيف حالك؟"
أبو سعيد: "أريج، هاي أنت؟ كلشي تمام عمي؟"
أريج: "همم اه... كلشي تمام."
بهديك اللحظة، تمنيت الأرض تنشق وتبلعني. "لا مش ممكن!" قلت لحالي. "بس كان في بينا عشرات الأمتار معقول سمعني عنجد؟! يا الله شو هالاحراج. صوتي كان هالقد عالي؟! معقول في كمان ناس سمعتني؟"
فجأة شعرت انه الوادي صار واسع ومفتوح. تحول من وعاء اللي بحتوي وبخبي، لفضاء افقي بتدفق وبمتد. في هديك اللحظة الوادي فقد حدوده تماماً، الحدود الوهمية اللي رسمتها في راسي عشان يحتوي صرختي ويخبيني. أو يمكن الحدود الجيواسياسية اللي قسمت الوادي وهمشته نستني انه هو مش بس وعاء للتجارب والاصوات والأجسام وإنما تيار اللي بيحملها لبعيد.
لما وصلنا أوطى نقطة بالوادي باتجاه جسر بيجن سمعنا من ورانا ضجه عم بتقرب علينا ستنينا الصوت يقرب طلعوا ولدين من ورانا جايين على تركترونات.
وقفناهم وبلشنا نحكي معهم
-إنت شو بتسوا هون؟
-أنا وصاحبي منيجي منتسلى هون
-بنفع أجرب؟
-اه أكيد بس هلأ ما في معي محل يمكن باللفة الجاي
-ممتاز لوين بتوصلوا فيو؟
-لوين بدك، مرات منوصل لقرية لفتا بس يعني لازم تقطع الشارع الرئيسي واذا كان في شرطة بلحقونا احنا منهرب منهم عالطريق الترابية
-حلو!
- في هون نفق بياخدك على بيجن بورجيك بس أخدك لفه.
وهون شرحلنا أبو السعيد عن نظام وترتيب يوم الغنمة، على ال6:30 الصبح بطلعوا وببلشوا ياكلوا بالبراد، على ال9:30 الشمس بتبلش تحما بحطوا روسهم في بعد وبتخبوا من الشمس
بضلوا لل1:30, 2 بطلعوا و بضلوا يسرحوا لل-5 تانه إليوم يخلص للراعي وللغنمة
بس بالنسبة للراعي اليوم الي بشتغل فيه، بطلع الصبح على الشغل برجع على ال4 وبطلع مع الغنمات لل5 عشان يطعميهم وبضل لل7.
بتذكر لما مرة زرت اللوفر في باريس وكنت واقف قدام تمثال جميل لتفاصيل آلهة. ما كنت عنجد مهتم في تفاصيل التمثال أو بالمعلومات اللي عم بحكيها المرشد. كنت في محادثة عميقة مع التمثال. دائما بتطلع على الحجر وبسأل نفسي كيف الحجر هالقد معمر!
وهي أنا، قاعد هون في الوادي مع حجارته، كبار وصغار، وبنط من صخرة للتانية. آخر مرة كنت بالوادي رجعتلي نفس الفكرة. رحت امسك واحد من الحجار ودخلت في تفكير عميق. رجعت سألت حالي "كيف الحجر هالقد معمر؟".
اطلعت على الحجار وفكرت قديش رائع هذا الوادي. بتحسش بالوقت وهو عم بمرق بحضرته. وانا عم بغوص بهالأفكار، بلشت أقلب بالحجار الصغيرة على الأرض باجريّ. أريج وسيرين صاحوا فيي لما شافوني بعمل هيك وقالولي اترك الحجار بحالهم. يمكن كانوا عارفات اني غيران من الحجار وأزليّتهم.
بتذكر لما مرة كنت قاعد بجمعة برام الله وغصت بمحادثة مع شب عن هويتنا الفلسطينية. كان عنده آراء مثيرة عن الموضوع، حبيته لهالشب. بتذكر لما حكالي كيف انه قضيتنا هي قضية هوية وانه الاحتلال عم بحاول يمحيها. اتطلعت عليه وقلتله: "بتعرف شو ؟ ما بتفق معك. ما بفكر انه قضيتنا هي قضية هوية. انت بتقدر تكون فلسطيني وين ما كنت بالعالم. قضيتنا هي قضية أرض وصراعنا هو عالحجارة. كل ما كترة حجارتك، كل ما كنت أقوى".
بتعرف اكم شخص قعد على هاي الصخرة قبل ما انا واياك نقعد عليها؟ يمكن الكنعانيين قعدوا بالزبط هون وين ما انا وسيرين وأريج قعدنا. يمكن قصة حب بلشت جنب هالصخرة. يمكن حدا مات جنبها وحكالها كل احلامه اللي كان بتمنى يحققها بحياته قبل ما يموت. الحجار ما عمرها بتحكيلنا لانه عندها هذا الوعد مع الله انها تبقى صامتة للأبد.
بفكر أسمي الحجار في الوادي مثل ما بنسمي النجوم. ليش لأ؟ بس لانهم ما يلمعوش وبنقدر نمسكهم بايدينا ما بستاهل نعطيهم اسماء؟ المرة الجاي راح اختار صخرة كبيرة واسميها ونصير صحاب كمان.
في واحدة من الطرق اللي جربناها، لمحنا راعي ع طرف الطريق و قررنا نوقف و ننزل لنحكي معه.
حكالنا الراعي انه الأرض اللي برعى فيها حالياً كانت كتير أكبر و كان في كتير رعاة يجوا ويرعوا فيها، هلأ في بس هو و الولد الدايماً بيجي معه.
قلنا كيف كل ما بحاول ينزل عالشقة الغربية، بهاجموا مستوطنين البالعادة بشتروا خرفان من الرعاة و بنزلوا فيهم عالاراضي الفاضية بتسلوا و ببيعوهم لما يزهقوا منهم.
واحنا نحكي انتبهت انه الخرفان متجمعين عبعض و عاملين دائرة عشان يحموا بعض من الشمس الكانت كتير قوية بهديك الساعة.
و من هناك كملنا طريقنا على قرية بيت حنينا التحتى.
هالقرية بتشبه قرى فلسطين المهجرة من سنة ال٤٨،وين ما تتطلع كان في عمارة البتسرد قصص صحابها التركوها وراحوا ع امريكا او تهجروا بال٦٧ او انتقلوا للعيش في بيت حنينا الجديدة.
بيت من طابقين، فيه ٣ أو ٤ غرف، قوسة على مدخل كل غرفة،ارتفاعات مختلفة و درج مكسّر من حجر.
طريق طويل آخره مأذنة خضراء ، عجوانبه بيوت من طابقين و ولد صغير قاعد على طرف الطريق بطّلع فينا و بستنا يفهم.
وصلنا على طرف الحيّ، قدامنا كان الوادي العم نقضي فيه نص وقتنا، بس هالمرة، كنّا عالشقة التانية من الشيك.
كلشي كان يشبه ذكرياتنا من الوادي المتعودين عليه، حتى صوت الحجر و احنا ماشيين في الوادي نفسه،
فجأة فهمنا انه حدود الوادي تبعنا اكبر من شو كنا متخيلين وأنه الوادي عنده اكتر من وجه و صارت الحدود براسنا تتوسع.
كل ما مشينا لقدام اكتر، كنا نرجع بالزمن لورا اكتر.
ولمّا وطأته أقدامنا رَمَقنا بنظرة وكأنّ بعض حياة عادت إليه.
بيت من طابقين، فيه ٣ أو ٤ غرف، قوسة على مدخل كل غرفة،ارتفاعات مختلفة و درج مكسّر من حجر.
طريق طويل آخره مأذنة خضراء، عجوانبه بيوت من طابقين و ولد صغير قاعد على طرف الطريق بطّلع فينا و بستنا يفهم.
أساسات حديد مكسّرة، طابق تاني متر و نص عن الارض معلّق على ركام فش كيف توصلّه، بوابه مواربة بتشوف منها الحيطان الزرقاء جوا البيت.
دايماً كان يزعجني انه مشياتنا بالغالب بتوقف عند شارع بيچين. متل كأنه تبنينا الحدود الجيوسياسية اللي انفرضت على الوادي وقسمته.
وانا بالطريق لاحظت شوية تغييرات بالحارة. بيوت التنك اللي كانت للبدو انشالت وانكشف وراها الجبل المحفور. علي ما يبدو انه مع العمارات الجديدة البدو صار لازم يهدوا مساكنهم ويرحلوا. بالزاوية كان في خيمة وناس قاعدة على كراسي بلاستيك. "ممكن هاد عزا أو عرس" قلت لحالي. كان في أصوات ناس عم تتعالى. "لأ عالأغلب هاي عطوة". كل ما قربت اكتر على الخيمة كان الشجار يحتدم أكتر. بعد ما مرقت بعشرة أمتار انتقل الشجار للشارع. كان في كراسي، عصي ومسبّات عم تترامى بالهوا وناس عم تركض من كل مكان باتجاه الخيمة تشوف شو صار. أما انا فكنت رايحة بالاتجاه الثاني، باتجاه الوادي.
بس ما كنت لحالي. كان معي ولد صغير على التراكتورون اللي مرق قدامي جنب موقع البناء بسرعة وترك وراه غيمة غبرا كبيرة.
صرت أعد بالآبار وأصورهم، واحد ورا التاني. لما وصلت للبير رقم ١٢، كنت واصلة أوطى نقطة بالوادي. سمعت صوت طقطقة خفيفة، اطلعت على شمالي شفت قطيع غزلان عم بطلع على سفح الجبل من جهة شعفاط متل شال عم تلعب فيه الريح. صارلي زمان ما شفت هادا العدد من الغزلان. صرت أعد فيهم. خمسة أو ستة. يمكن سبعة. حركتهم سريعة ولونهم متل لون حجار الجبل. حاولت أقرّب منهم، بس كانوا أسرع من إنه عيني تمسكهم. كل خطوة بمشيها باتجاههم بتبعدني عنهم أكتر، لحد ما اختفوا عن مرآى عيني تماماً. قررت أرجع لطريقي. كملت أعد الآبار. على الأغلب فشقت بيرين أو تلاتة وأنا عم بحاول القط الغزلان.
لما وصلت للغابة الصغيرة، صوت السيارات المارقة فوق الجسر كان مسيطر على الفضاء. زي كأنه ظهر مرة واحدة. لما صرت تحت الجسر تماماً، حسيت السيارات متل السكينة اللي بتمرق فوق الجسم بدون ما تلمسه.
بلشت أحس بالوقت وهو عم بمرق بِثْقِل خطوات رجليّ. بلش الخوف يسيطر علي. "اليوم لازم أوصل أبعد من الجسر" ذكرت حالي. كان أمامي خيارين، أو بروح على اليمين باتجاه بيت حنينا التحتى والوادي الغربي، أو بروح عالشمال باتجاه لفتا من وادي المغار.
اتطلعت على يميني شفت الشيك اللي بفصل الوادي عن بيت حنينا التحتى. كان في كلب أبيض عم بمشي تلاه. "بتمنى يكون مسالم" قلت لحالي. فجأة صار على الجهة التانية. "شو؟! كيف؟". قربت اكتر ع بين ما شفت الفتحة بالشيك. فتحة كبيرة بتمرق منها سيارة. لما وصلتها وقفت لمدة دقيقتين، مترددة. "معقول مسموح امرق من هون؟ ما في إشارة بتمنع." اخذت نفس وقطعت الشيك. لما قطعت انتبهت انه في كمان شيك حوالين الطريق الاتفافي.
جنب الجسر فوق حسيت بحركة غريبة. الكلب بلش ينبح. خفت. "ايش بدي اعمل، انا لحالي هون والدنيا بلشت تعتم. اذا بدي أرجع مضطرة أمرق من جنب الكلب."
سمعت صوت صياح جاي من فوق. سكت الكلب. ولد على حمار. "ايش وصله لهون؟" سألت حالي، "من وين اجا". اخدت صورة من بعيد وضليت واقفة محلي لحد ما نزل لعندي وقلي: "تخافيش الكلب الي".
الولد: "لا انا مش من جوا"
أريج: "اه يعني من بيت حنينا البلد"
الولد: "لا انا من بيت اكسا"
أريج: "اه؟ بيت اكسا.. يعني في طريق من هون؟"
الولد: "اه في طريق. ليش صورتيني؟"
أريج: " متأسفة اذا مزعج لالك، بصور كلشي بشوفه. عم بشتغل على مشروع فني عن الوادي، عندك مشكله اذا بصورك؟"
سكت للحظة، لبس الطقية، دار ظهره لالي، كمل بطريقه وقلي: صوري.
طلع بموازاة الشارع الالتفافي. وقفت اراقبه لحد ما بلعه الجبل.
تحت الشارع على يميني كان في عبّارة باطون ضخمة. بيني وبينها كمان شيك.
ورا الشيك سهل بيت حنينا كان مفتوح قدامي.ورق شجر الزيتون لونه ذهبي بودع الشمس، وبيوت بعيدة صغيرة طالع منها صيحات صداها قريب، بسلم على كل مين مرق الوادي.
صوت أذان المغرب من بيت حنينا البلد طلع متل إنذار أخير يرسم خط النهاية لطريقي. طريق الآبار.
وشوي شوي صارت العتمة متل ساعة رمل كبيرة بتسبح فيها صراصير الليل. لقيت حالي بتسابق معاها،على مين راح يوصل البيت أول. أنا أو العتمة.
ما يبرز بوضوح هو العنف الممارس على المشهد الطبيعي - ولكن بطريقة ما جعلنا مرشدنا نرى الأشياء من منظور مختلف لأنه تحدث عن أشياء لم نتمكن من رؤيتها، مغارة قديمة،نباتات وجغرافيا الأرض.
ما أدهشني هو شكل الوادي ، وهو فرع يؤدي إلى مفترق طرق يظهر الكثير مما يحدث اليوم في المشهد الطبيعي للقدس.
بنجي بوياجيان
وقفناهم وبلشنا نحكي معهم
عبدو: "انتوا شو بتسوا هون؟"
الشب على التراكتورون: "أنا وصاحبي منيجي منتسلى هون"
عبدو:"بنفع أجرب؟"
الشب: "اه أكيد بس هلأ ما في معي محل يمكن باللفة الجاي"
عبدو: "ممتاز لوين بتوصلوا فيو؟"
الشب: "لوين بدك، مرات منوصل لقرية لفتا بس يعني لازم تقطع الشارع الرئيسي واذا كان في شرطة بلحقونا احنا منهرب منهم عالطريق الترابية"
عبدو: "حلو!"
الشب: "في هون نفق بياخدك على بيجن بورجيك بس أخدك لفه."
"لا انا مش من جوا"
"اه يعني من بيت حنينا البلد"
"لا انا من بيت اكسا"
"اه؟ بيت اكسا.. يعني في طريق من هون؟"
"اه في طريق."
...طلع بموازاة الشارع الالتفافي. وقفت اراقبه لحد ما بلعه الجبل.
لم يكن الوادي كما عهدته! غاب مجراه، واختفت حجارته الملساء، وغارت مياهه الهادرة. لم يعد له روح ولا هيئة، تهدّمت السلاسل الحجرية التي كانت تحفّ ضفّتيه، قطّع الشارع الاستيطانيّ جسده، وطمس الآبار القديمة، تلاشت أشجار العنب التي كانت تزيّن جوانبه، وبقيت بعض أشجار التّين والزّيتون تعاند الزّمان، وتعطي تعريفا جديدا للخلود، وشاخت أشجار الزّعرور التي كانت تحرس المجرى، ولم تَجُد عليّ إلا ببعض حبيبات تذوّقتها فغشيتني نشوة أحيت فيّ الذكرى.
وعادت الصور تتهافت على ذاكرتي: رأيت هذا الجبّار يهدر بالمياه فيجعل قرية بيت حنينا جزيرة معزولة في أيّام الشّتاء. حدّثني الوادي عن بائع الكاز الذي استهان بقوّته؛ فحملته المياه وألقته على صخرات الموت، وحدثني عن تلك العروس التي عادت من القدس تحمل كسوة عرسها، لكنّ الأمطار سبقتها، وتجرّأت هي الأخرى على الوادي فزفّها إلى الفناء.
رغم قسوته، لم يكن الوادي قبيحا في صباه، بل كان موطئ الجمال وموئله. كان عنيفا، لكنّه حمل النّاس على راحتيه وهدهدهم ليناموا دافئين في حضنه الآمن. خلت أنّي أسمع ضحكات الأطفال تأتي من بعيد، من أعماق الزمن، رأيتني ورأيتهم نجوس الوادي، نصنع بأيدينا قاربا صغيرا من ألواح الصبّار، نلقيه في الماء ونتبعه، نتعثّر أحيانا ونبتلّ، ويتعثّر القارب أحيانا ويعلق بين الصخور، فندفعه لينطلق سريعا مبتعدا عنّا؛ ربّما ليلتحق بوادي المغارة، وربما سيحمله وادي الصرار إلى البحر البعيد. ثمّ نعود لنلعب (السبعة أحجار) في حضرته.
وودت أن تتقلّب صفحات أخرى أمام ناظريّ، لكنّ الواقع ألحّ عليّ، فرأيت ما حلّ بالوادي من دمار. حزنت، وعدت أدراجي تتقاذفني المشاعر العاصفة. سمعت ثغاء بعض الأغنام، ثمّ رأيت راعي الغنم يجلس على صخرة تداعب أصابعه شاشة هاتفه الّذّكي، هرعت إليه وقد خلت هاتفه تحوّل إلى ناي.
- حدِّثني عن الوادي.
رجوته أن يتكلم.
- رفيقي وأغنامي من يوم غادرنا قرية لفتا.
قال هذا ولم يزد عليه.
أترى يحدّثه الوادي كما حدّثني؟!
عادة طريقي للوادي بتبلش من باب البيت. بنزل من جنب الجامع وبروح باتجاه تجمع البدو غرباً. هالمرة التقيت بأستاذ عبد الله ع الشارع الرئيسي. كانت الساعة ٥ العصر، طلعنا بالسيارة وأخدنا الطريق اللي كانت تربط بيت حنينا الجديدة مع بيت حنينا البلد. مع تعبيد شارع بيجين الاستيطاني أول سنوات ال٢٠٠٠ وبناء جسر لربط بيت حنينا الجديدة بالشارع، صارت الطريق الأصلية مجرد شارع فرعي ما بمرق منه غير جيبات الاحتلال العسكرية اللي بتعبر بوابة الجدار، وغير عيلة واحدة اللي عزلها شارع بيجين عن باقي القرية.
"شايفة الزيتونة اللي قدامنا؟ صفي السيارة هناك" قلي أ. عبد الله. "هاي الزيتونة شكلها طالعة جديد، محلها كان في ٣ زيتونات كبار اسمهم زيتونات يونس ولكنهم احترقوا بعد إشعال عجال بالمنطقة. هون أبعد نقطة ممكن تشوفيها من القرية، اللي كان يجي من القدس أهله كانوا يشوفوه بس يوصل عند الزيتونات واللي طالع من القرية كان يبتلعه خط الأفق بعد زيتونات يونس".
الزيتونة الجديدة طلعت حتى تحمل إرث الشجرات الثلاثة. عند هاي النقطة بيوت بيت حنينا البلد وبساتينها فجأة ظهرت أمامنا مثل وكأننا واقفين على عتبة القرية. نزلنا من السيارة وبلشنا نمشي باتجاه الوادي. كل ما مشينا اكتر شوي شوي كانت القرية تختفي، مثل وكأنه الشارع عبارة عن سد والقرية سفينة عم تغرق وراه.
كملنا نمشي جنوباً بمحاذاة الوادي الشرقي وبدأ أ. عبد الله يستذكر بعض المشاهد من الماضي: "هاي المنطقة كانت مزروعة زيتون وتين وعنب بس العنب اختفى مع الوقت… تحت الشارع كان في بيرين مرتفعين بحدود المتر عن الأرض: بير ناجي وبير برهوم."
طريق ترابية، عشرات من شجر الزيتون والتين، حمار مربوط، وراعي قاعد على صخرة كبيرة مع قطيع من الأغنام حواليه، هيك كان المشهد أمامنا. أول مرة بشوف الوادي بهذه الخضرة. انفعلت وبلشت أصور كل اشي بشوفه قدامي. "اذا الوادي بهادا الجمال بعد موسم من الحر والجفاف طال اكتر من العادة، كيف بكون شكله بالربيع؟" سألت حالي. شوي شوي الطريق صارت ملانة حجار ملساء. "هاي الحجار هي ما تبقى من مسار الوادي الأصلي" حكالي أ. عبد الله "زمان كان الوادي أوسع وأكثر عمقاً. بالشتا كان يتعبى مي. واحنا صغار كنا نجيب قطعة خشبة صغيرة نتخيلها سفينة ونشوف لوين بياخدها مجرى المي.الأرض كانت تنزرع وتنحرث كل الوقت، كنا نمشي حافيين عليها."
طوال الطريق كان أ. عبد الله يحكيلي عن الزعرور. شجر بحمل ثمرة صغيرة حمرا بتستوي بين شهر أيلول وتشرين الأول. وقفنا حتى نلقط من إحدى الأشجار. "الزعرور والزيتون بتزامنوا بموسم القطف. عادة الزيتون بيحمل سنة بعد سنة. السنة اللي بيحمل فيها بسموها الماسية. أما الزعرور فبيحمل بالسنة اللي ما بيحمل فيها الزيتون. لذلك الناس كانت تقول هاي سنة الزيتون وهاي سنة الزعرور".
بعد ما مرقنا الجسر، شفنا علامات دائرية على الأرض من براز حيوان. "هذا براز غزلان وهاي عالاغلب النقاط اللي ببيتوا فيها" شرحلي أ. عبد الله.
طول الطريق كان يحكيلي أ. عبد الله قصص كتيرة. عن المنطار والناطور، عن الحبلات المزروعة والسماق البري، عن أنواع التين، الخروبي والسماري، عن الأسماء المتداولة للمناطق المختلفة، عن قصص شعبية وأساطير احتواها الوادي لسنوات طويلة. شعرت بوصفه ورواياته شوق لواقع عم ينمحي يوم بعد يوم وما عم بضل منه غير بقايا متداعية، صارت هي الوسيلة الوحيدة لاستحضار بعد الصور من الخيال.
وأنا صغير كنت أمشي على طريق ترابية جنب البيت عشان أنزل على قطعة أرض بالسهل في شعفاط، كنت ألعب فيها فطبول مع ولاد الحارة. هي كانت المكان الوحيد اللي نقدر نلعب فيه بعيد عن الشارع اللي ملان سيارات واللي شوي شوي عم بتوسع وبياكل في طفولتنا وذكرياتنا.
عم ينمحي يوم بعد يوم
وما عم بضل منه غير بقايا متداعية
صارت هي الوسيلة الوحيدة
لاستحضار بعد الصور من الخيال.
وأنا صغير كنت أمشي على طريق ترابية جنب البيت عشان أنزل على قطعة أرض بالسهل في شعفاط، كنت ألعب فيها فطبول مع ولاد الحارة. هي كانت المكان الوحيد اللي نقدر نلعب فيه بعيد عن الشارع اللي ملان سيارات واللي شوي شوي عم بتوسع وبياكل في طفولتنا وذكرياتنا.
النزول للوادي هو ذات هاي التجربة عم تتكرر. كل مرة بننزل هناك بنشوف كيف المشهد عم يتغير وكيف الوادي شوي شوي عم بختفي من قدامنا. كل ما العمارات عم تطلع لفوق عم تمحي معها تفاصيل صغيرة وعم بتغير معها خط الأفق. يمكن عشان هيك كل مرة كنت اختار اني أسلك طريق مختلف، عشان ما أحس اني عم بخسر الوادي قدام التقدم العمراني الموجود.
المشي على التربة والمشي على مسارات مرسومة في الأرض يلي ناس قبلينا مشيتها كانت دايما تذكرني في قصيدة لروبرت فروست:
فى خريف الغابة الصفراء
فجأة طريقى لدربين انشطر
ولأسفى لم أستطع فيهما
معاً السفر
سأحكى قصتى هذه ِ
وفى القلبِ تنهيدة عندما تمرُ السنوات ُ
وأنا فى أرض ٍ بعيدة
أن طريقين انشطرا فى غابة ٍ فريدة
وسلكتُ الدرب َ الذى عَبَرَته ُ أقدام ٌ قليلة
وهذا ما غيَرَ حياتي لأحققَ أحلاماً جليلة .
النزول للوادي وخصوصا في منطقة الانحدار الكبير كانت دايما تذكرني في مية المطر في آخر الوادي. طبعا عرفنا بعدين انه فعلا مياه الأمطار بتصب في آخر الوادي، لكن الشعور كان موجود قبل المعرفة. الانسياب في نفس اتجاه الماء كان دايما مخيف بالنسبة الي. فيه نوع من انواع الانحدار على اكتر من مستوى. هو نوع من أنواع السراب اللي بدفعك للوصول لعمق الوادي من دون ما تعرفه منيح. يمكن عشان هيك الصخور شغلتني بالبداية، عشان امنع حالي من الخوف. التركيز على الشيء القريب اكتر من الأشياء البعيد هي الصراحه آلية بستخدمها عشان اتعامل مع قلق الحياة اليومية. بتقدر تتخيل انه الوادي هو رغيف خبز كبير . كيف بناكل رغيف الخبز الكبير؟ لقمة لقمة… وبالضبط هيك الوادي كمان. كيف بتنزل الوادي من دون ما تخاف؟ بتنزل الوادي حجر حجر… ما بتقدرش تكون زي مية المطر اللي بتنحدر على آخره من دون ما تمسك حجر حجر.
في آخر الوادي في هدوء، في خضار وفي صخور. كأنه الوادي بعطيك مكافأة انك جيت زرته. مثل كأنه بقولك استمتع في كل اشي عم بتعمله. بس الاشي اللي شوي غريب هو أنه بتحسه بحوطك من كل مكان، زي كأنه بمنعك تعرف من وين جيت وكيف دخلت. بس بيكشفك منيح على الزحف العمراني اللي عم يتمدد من كل اتجاه وبذكرك شو عم بصير في الوادي.
يلّي بالبحرة بتنط
صفيت السيارة عالشارع فوق ونزلت من عند موقع بناء العمارات الجديدة ال"كفر عقبية"، أو هيك قررنا نسميها انا وأريج وعبدو.
الوادي منعنش شوي بعد الشتوة بس طبعاً لسا حزين كتير ووحيد كتير ومهمل ومعزول،
صوت ريم البنّا بتغني هلالالايا عيني يا البنية.
رجع لون الوادي أخضر زي أول ما تعرفنا، المسار صار أكتر مألوف بس الزبالة زادت كتير، شعور انه هو (حديقة خلفية) backyard للمدينة زاد برضه، كأنه الناس عم ترمي في بير كبير وواسع كل الأغراض الي بدهاش إياها وما بتسأل، زي الحفرة السودة العملاقة الي بتبلع كلشي.
بس الوادي عم بجّمع وبحط طبقة فوق طبقة وكل ما زادت هاي الطبقات طبقاته القديمة والتاريخية عم تتخبى وتندفن، وإذا انت ما بحثت عن ماضيه وسمعت قصصه الي تناقلوها من جيل لجيل مش رح تفهمه ورح اتضلك شايفه سطحي.
من الأربع جهات، وين ما تطّلع، في معدات بناء ورافعات والوادي عم بضيّق عليه وعم بتحاصر.
علاقتنا بعد ما سمعت قصص الوادي من ناسه صارت أقوى، هو صار يوثق فيي أكتر وانا نفس الاشي.
سيرين علوي
لقينا صخرة كبيرة مسطحة، أخذنا عليها استراحة قصيرة. قعدنا ناكل كلمنتينا ونحلل التضاريس أمامنا، شو طمم وشو صخر طبيعي، شو مزروع وشو بري.
تصوير سيرين علوي، آب 2021
"خطوة بحياة مدينة خطوة بحياة قرية"، علقت سيرين على هالمشهد.
ضلينا نمشي على نفس الطريق لحد ما وصلنا لطريق مسدود والوادي صار مكشوف قدامنا. على شمالنا بآخر الطريق كان في حديقة مسيجة.
"تعالوا نتمرجح شوي" حكيت لعبدو وسيرين.
عبدو: "بنفع نيجي نلعب عادي؟".
سؤال عبدو كان كافي يشرح غرابة هاي الحديقة وموقعها. قبل كم سنة بلدية الاحتلال قررت تعمل حديقة عامة بهذا الموقع. عملياً، بس الناس اللي ساكنة بنفس الشارع بتعرف عن هاي الحديقة. هاي الحديقة هي فعلياً المساحة العامة الوحيدة من بين حديقتين في حي بيت حنينا، حي اللي عدد سكانه اليوم بزيد عن ٣٥ ألف نسمة.
على طرف الشارع كان في شابين صافين سيارتهم وقاعدين على كراسي بلاستيك عم بأرجلوا ويتفرجوا على الوادي. وقفنا جنبهم نتفرج كمان. الشمس كانت حلوة والسما صافية. قررنا ننزل الوادي من هناك. كان صعب نلاقي طريق ننزل منها، لأنه السفح كان عالي بسبب نفايات البناء، مشهد متكرر في أطراف المدينة.
في الطريق كان في عظام حيوانات، ملابس، عربة تسوق، وعجال سيارات مرمية في كل مكان. لقينا كيس مواد بناء، فضيناه من الأغراض اللي فيه واستعملناه لنحمل البقايا اللي منلاقيهم. ما عرفنا لشو ولكن حدسنا كان عم بحكيلنا ناخذهم معانا.
إنت بيت أهلك بتعرف وين؟
اا بيت سيدي
اا بيت سيدك, أنا بعرف يعقوب عوده
اا يعقوب عوده هان بعرف كل أهل البلد وكل دورأهل البلد يعني بقدريروح عالبيوت يقلك هاد لمين وهاد لمين
صوت الراديو بكمل
".....واراضيها ممتدة حتى أسوار مدينة القدس باب العمود وباب الزاهرة لا شك أن هذا القرية تمتعت في عز ومجد كبير في أثناء الفترة الأخيرة قبل الإحتلال الاسرائلي كانت البلد تعيش من ناحيه سياحيه و من ناحيه أثرية و دينية موفقة كل التوفق من باب أن الناس مسرورين من قربهم إلى المدنية لا شك إن هذه القرية تصل من حيث المساحة إلى 13،000 أساس السكان فيها ما لا يقل عن 4000 انسان دونم كانت تعتاش على الأغنام على الزراعة على التجارة مع القدس...."
الأصل: لفتا
الأصل: بيت حنينا
الأصل: شعفاط
اين ملاعب الطفولة وحقول البرقوق? اين رائحة المشمش العطرة واين الزرع والطرقات تمتليء الغادين والرائحين الى قطف الزيتون ومشاوير العنب والتين? اين جمعات العجائز وافراح الورود في بيادر القرية ورقصات الصبايا شوعاني وشمالي? اين الدبكات والسحجة? والوان السهر تحت ضوء القمر في ليالي الصيف.
او رائحة التراب بعد اول مرشاق في اواخر الصيف, اين جمعات الصبية يلعبون لعبة الجلول او يركضون خلف باص القرية الوحيد? او بنات يلعبن بدمى من صنعهن من قماش قديم.
هل كل هذا اصبح اندلس اخرى ولكن في مكان قريب?"
الأصل: قرية بيت حنينا
اعشاب اخرى كانت ايضا معروفة مثل الحميضة، والجعدة ،والميرمية والرتشف واللوف واصناف واشكال بلا حصر في جبال بلدنا الغنية الرائعة .
كل نوع من الاعشاب له طريقة في الاكل او الشرب وكثير من الاعشاب الطبية كانت هي الدواء في زمن التداوي بالاعشاب فقط ."
كان الاهل ينتظرون هذا الموسم ويحضرون له السلالم والاكياس والتنكات التي يعبأ فيها الزيت او الجرار الكبيرة في ما مضى من زمن حيث كانت جداتنا تصنع الجرار الكبيرة التي تتسع لعدة تنكات من الزيت.
وكان الزيتون المكبوس ايضا يوضع في جرة من تلك الجرات الفخارية ؛وفي ما بعد كان الزيتون المرصوص او الرصيص كما يسمى في لهجة الحناينة يكبس في مرطبانات زجاجية كبيرة نوعا ما .
كانت البلد في موسم الجداد تتحول الى خلية نحل والناس تملأ الحقول والطرقات ويمرون ببعضهم البعض يردون تحية معينة يقول المار للذي في حقله عواف او يعطيكم العافية .واما اذا كان عائدا من العمل في الحقل كنت تسمع كلمة صح بدنك فيرد وبدنك يسلمك .
كان الشباب او الاخف وزنا وسنا يقوم بجد الزيتون من اعلى السلم اما الذين هم اكبر سنا فيكون عملهم جمع حبات(لقاط) الزيتون وتعبئتها في الاكياس .
ثم يذهب بالزيتون بعد جمعه الى معصرة الزيتون.
كان في ما مضى من سنين في بلدنا معصرة زيتون وطاحونة قمح لاصحابها اولاد محمد علي صبيحة .
رائحة الزيتون في المعصرة رائحة مميزة وطعم الزيت الذي عصر توا مع خبز الطابون الساخن لا يعوض خاصة في ايام الطفولة حيث حاسة التذوق في اوجها .
ساق الله تلك الايام التي لم يبقى منها الا الذكريات .
واما الزيت فقد اصبحنا نشتريه من المعصرة الحديثة،محاولين البحث عن ذلك الطعم القابع في مخيلتنا .
والعنب والتين انواع عديدة وكان اهلنا يبدأون يومهم مبكرا قبل طلوع الشمس في قطف العنب والتين وهو بارد وقطرات الندى تغسله وحبات التين المشبعة تتشطب بفعل ارتوائها من الارض المعطاءة .
ينتهي موسم العنب والتين وقد امتلأت الخوابي بالقطين وهو التين المجفف واما اواخر العنب فيصنع منه المربى المميزة وكانت بعض الاشجار التي تزيد عن حاجة البعض من اهل البلد (تضمن )الى بعض العائلات من القرى المجاورة او من بعض الناس ممن ياتون من شرق الاردن الذين كانوا يعزبون في تلك البساتين حتى انتهاء الموسم .
يحصل فريق الهجوم على أربعة فرص لضرب المثلث الحجارة بالكرة إذا فشلوا، فإن الدور ينتقل للفريق الثاني وعندما تقع الحجارة يمسك الفريق المدافع الكرة ويحاول إصابة أحد أعضاء الفريق الآخر.
- أستاذ عبدالله
-الاستاذ عزيز أبو خضير
